الذهبي

96

سير أعلام النبلاء

فكنت فيمن نزل قبره ، فلما سويته ، رأيته قد فسح له مد بصري ، فأخبرت بذلك أصحابي ، فلم يروا ما رأيت . قال أبو عمرو بن العلاء : توفي الأحنف في دار عبيد الله بن أبي غضنفر ، فلما دلي في حفرته ، أقبلت بنت لأوس السعدي وهي على راحلتها عجوز ، فوقفت عليه ، وقالت : من الموافى به حفرته لوقت حمامه ؟ قيل لها : الأحنف بن قيس . قالت : والله لئن كنتم سبقتمونا إلى الاستمتاع به في حياته لا تسبقونا إلى الثناء عليه بعد وفاته . ثم قالت : لله درك من مجن في جنن ، ومدرج في كفن ، وإنا لله وإنا إليه راجعون : نسأل من ابتلانا بموتك ، وفجعنا بفقدك أن يوسع لك في قبرك ، وأن يغفر لك يوم حشرك . أيها الناس ، إن أولياء الله في بلاده هم شهوده على عباده ، وإنا لقائلون حقا ، ومثنون صدقا ، وهو أهل لحسن الثناء ، أما والذي كنت من أجله في عدة ، ومن الحياة في مدة ، ومن المضمار إلى غاية ، ومن الآثار إلى نهاية ، الذي رفع عملك عند انقضاء أجلك ، لقد عشت مودودا حميدا ، ومت سعيدا فقيدا ، ولقد كنت عظيم الحلم ، فاضل السلم ، رفيع العماد ، واري الزناد ، منيع الحريم ، سليم الأديم ، عظيم الرماد ، قريب البيت من الناد ( 1 ) . قال قرة بن خالد : حدثنا أبو الضحاك أنه أبصر مصعبا يمشي في جنازة الأحنف بغير رداء . قال الفسوي : مات الأحنف سنة سبع وستين . وقال غيره : توفي سنة إحدى وسبعين . وقال جماعة : مات في إمرة مصعب بن الزبير على العراق رحمه الله .

--> ( 1 ) الخبر في تاريخ ابن عساكر 8 / 225 آ ، وزاد فيه : " . . ولقد كنت في المحافل شريفا وعلى الأرامل عطوفا ، ومن الناس قريبا ، وفيهم غريبا ، وإن كنت فيهم مسودا وإلى الخلفاء لموفدا ، وإن كانوا لقولك لمستمعين ، ولرأيك لمتبعين ، رحمنا الله وإياك " اه‍ .